اسماعيل بن محمد القونوي

404

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

كونهم أحياء والقرب « 1 » المعنوي من اللّه تعالى من عند ربهم والتمتع من قوله : يُرْزَقُونَ [ آل عمران : 169 ] وفي قولهم من فضله تنبيه على أن ما نالوه من فضل اللّه تعالى لا بفعلهم فقط . ( ويسرون بالبشارة ) ( أي بإخوانهم المؤمنين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم ) ( أي الذين من خلفهم زمانا أو رتبة ) . قوله : ( بدل من الذين والمعنى أنهم يستبشرون بما تبين لهم من أمر الآخرة وحال من تركوا من خلفهم من المؤمنين ) بدل اشتمال قوله لما تبين لهم أي للشهداء أنفسهم قوله وحال من تركوا الخ . أشار بهذا إلى أن التبشير بحال أنفسهم وحال إخوانهم معا الأول مستفاد من فرحين والثاني من يستبشرون لأنه معطوف على فرحين بتأويل يفرحون كعطف جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً [ الأنعام : 96 ] على فالِقُ الْإِصْباحِ [ الأنعام : 96 ] وأما القول بأن استفادة كليهما من ويستبشرون فضعيف لأن الاستبشار بحال أنفسهم لم يتعرض له في هذا القول . قوله : ( وهو أنهم إذا ماتوا أو قتلوا كانوا أحياء حياة لا يكدرها خوف وقوع محذور وحزن فوات محبوب ) إذا ماتوا أي بغير قتل أو قتلوا أي ماتوا بالقتل في سبيل اللّه وفيه تنبيه على أن هذا الإحياء والقرب من ربهم ليس بمختص بالشهداء بل عام لجميع المؤمنين ثم الظاهر أن هؤلاء الذين تركوا خلفهم زمانا وأما رتبة فهم الذين ماتوا أو قتلوا قبل قتلهم لكن لم ينالوا منازل شهداء أحد فالأولى التعرض لهم هنا كما سبق أو تركه فيما سبق كما هنا . قوله : يسرون بالبشارة الاستبشار السرور الحاصل بالبشارة والمعنى يفرحون بالذين لم يلحقوا بهم من إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا على مناهج الإيمان والجهاد لعلمهم أنهم إذا استشهدوا لحقوا بهم ونالوا من الكرامة ما نالوا فهم لذلك مستبشرون . قوله : بدل من الذين يعني بدل الاشتمال لأن الضمير في عليهم عائد إلى الذين لم يلحقوا بهم . قوله : لا يكدرها خوف من وقوع محذور وحزن فوات محبوب فيه إشعار بأصل معنى الخوف والحزن فإن الخوف غم يلحق الإنسان مما يتوقعه في الاستقبال من السوء والحزن غم يلحقه من فوات نافع أو حصول ضار في الزمان الماضي فمن كان متقلبا في نعمة من اللّه وفضل لا يحزن أبدا ومن جعلت أعماله مشكورة غير مضيعة لا يخاف أبدا . قوله : يسرون في الجنة فيه فوحة من مذهب الحكماء فإنهم قالوا نعيم الأرواح بعد المفارقة عن الأشباح إنما هو السرور والبهجة العقليان بسبب ما اكتسبوه من العلوم الحقيقية والمعارف الإلهية ووجدانهم أنفسهم متحلية بها متخلية عن دنس غواشي الأبدان والجهل بالحقائق على خلاف ما هي عليه في نفس الأمر وما فسر به الزمخشري أوفق لمذهب أهل الحق حيث قال يرزقون مثل ما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون وهو تأكيد لكونهم أحياء وصف لحالهم التي عليها من التنعم برزق اللّه .

--> ( 1 ) ولو قال والقرب من ربهم لكان أوفق لما في النظم لأن الإضافة لتشريف المضاف إليه وأن ما أعطي لهم من آثار التربية .